الدكتور سامح مهران صاحب رسالة اليوم العربي للمسرح: الإبداع لا ينفصل عن الحرية وعلينا أن نخرج من وهم الإجابات الجاهزة

اتفق المسرحيون المجتمعون في مؤتمر تأسيس الهيئة العربية للمسرح على اعتبار اليوم الرسمي لانطلاقها في 10 جانفي 2008، إنطلاقاً لليوم العربي للمسرح، وقد تم تكليف المبدع اللبناني د. يعقوب شدراوي بإلقاء الكلمة الأولى، ثم تم تأسيس مهرجان المسرح العربي وحدد انطلاقه في اليوم العربي للمسرح، فصارت الكلمة تلقى في افتتاح المهرجان.
وقد تولى عديد المسرحيين العرب تقديم رسالة المسرح العربي من بينهم على سبيل الذكر لا الحصر الفنانة سميحة أيوب من مصر وعز الدين المدني من تونس و د. يوسف عايدابي من السودان وسعاد عبد الله من الكويت ونضال الأشقر من لبنان.
أما فيما يتعلق بالدورة 16 من مهرجان المسرح العربي بالقاهرة يتولى الدكتور سامح مهران تقديم والقاء رسالة يوم المسرح العربي خلال افتتاح المهرجان.
وفي هذا السياق انتظم مؤتمر صحفي يوم الجمعة 9 جانفي 2026 خاص بصاحب رسالة يوم المسرح العربي الدكتور سامح مهران والتي جاءت خلاصة لتجربته المعرفية، وتخاطب كل المسرحيين من المحيط إلى الخليج حسب الفنان غنام غنام، مدير الإعلام والتدريب بالهيئة العربية للمسرح، مؤكدا أن هذا الاختيار يضعه ضمن كوكبة المبدعين الكبار الذين كتبوا رسائل اليوم العربي للمسرح منذ عام 2008 واصفا مهران بأنه مسرحي يقف بقدميه على الأرض ورأسه في السماء، يرى واقعا لا يراه كثيرون، وينظر إلى أفق ثقافي مختلف، بوعي ذكي وقدرة على استشراف ما هو غير منظور.
وقد صرّح د. سامح مهران خلال المؤتمر الصحفي إننا نعيش منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام داخل دائرة الإجابات الجاهزة، من دون أن نجرؤ على الانتقال إلى مساحة الأسئلة المغايرة أو المختلفة، مؤكدا أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في غياب الأفكار، بل في النقص العميق في حرية التفكير، وحرية الاعتقاد، وحتى حرية الخطأ.
وأوضح أن الإبداع مرتبط ارتباطا مباشرا بالحرية، وعندما تتراجع الحرية يتراجع الإبداع بالضرورة، مشيرا إلى أننا نعيش في تشتت معلوماتي، وثقافة تنطلق من السوشيال ميديا، والوسائط المختلفة، لا على إنتاج المعرفة، وهو ما يؤدي إلى حالة من التشويش الإدراكي الخطير.
وأضاف أن هذا التشويش يتضاعف مع الكم الهائل من القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تخلق حالة من التشتت المستمر، وتعيق القدرة على بناء موقف أو وعي متماسك، معتبرا أن هذا التفتيت قد يكون أحيانا مقصودا وأحيانا غير مقصود، لكنه في الحالتين يؤدي إلى النتيجة نفسها.
وأشار إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت من أدوات تواصل إلى وسائل لتفتيت الناس والجموع، وإشاعة النميمة، وتغذية الاحتقان الداخلي، مؤكدا أن الخروج من هذا الفخ لا يتم إلا بالعودة إلى مصادر المعرفة الحقيقية.
وشدد د. سامح مهران على أن مصادر المعرفة الحقيقية لم تعد تكمن في وسائل الإعلام السريعة أو الخطابات السطحية، بل في مراكز الأبحاث الجادة حول العالم، وفي تقاريرها الدقيقة، التي تقدم فهما مركبا للواقع.
وأكد أن التعامل مع الغرب بوصفه كتلة واحدة خطأ معرفي جسيم، موضحا أن الغرب ليس شيئا واحدا، بل منظومة معقدة تضم قوى ومراكز أبحاث، ونقاط قوة وضعف، وأن فهم هذه المنظومة يتطلب بحثا عميقا، لا شعارات عامة، والمعرفة العلمية متاحة، ومراكز البحث موجودة في كل أنحاء العالم، لكن التحدي الحقيقي يكمن في السعي الجاد إليها، وبناء وعي نقدي قادر على التمييز والفهم، لا الاكتفاء بالاستهلاك السريع للمعلومات.
كما أضاف د. سامح مهران أن أي عمل مسرحي جاد لا يمكن فصله عن دراسة السياقات الاجتماعية والحركية للمكان الذي ينتمي إليه، مشيرا إلى أن لكل محافظة في مصر خصوصيتها، وأن هذه الخصوصيات يجب أن تكون موضوعا للبحث والدراسة، لا مجرد خلفية عامة.
وأوضح أن الإخراج المسرحي لا يجب أن يكون عشوائيا أو قائما على الانطباع، بل لابد أن يستند إلى معرفة دقيقة بالسياق، وبطبيعة اللحظة التاريخية والاجتماعية، مؤكدا أن الإخراج في جوهره فعل دراسة وتحليل ورؤية قبل أن يكون فعلا تقنيا.
فالتقنيات وحدها لا تصنع إخراجا واعيا حسب الدكتور سامح مهران، فامتلاك أدوات الإضاءة أو الحركة أو الصوت لا يكفي، إذا لم يكن هناك وعي بكيفية توظيفها في سياقها الصحيح، محذرا من الوقوع في إخراج استعراضي يشبه عروض الديسكو، أو إضاءة الكبارية، حيث تتحول الإضاءة إلى غاية في ذاتها، بدلا من أن تكون أداة تعبير.
وانتقد د. سامح مهران غياب المعرفة الجادة بالتجارب الأخرى، مشيرا إلى أن كثيرا من الممارسين لم يقرأوا أو يدرسوا تجارب مسرحية هامة فى دول مثل تونس، أو ما تقدمه الأكاديميات والفضاءات البحثية فى الدول المختلفة، مؤكدا أن وهم الاكتفاء الذاتي هو أخطر ما يواجه الفنان.
وشدد على أن المسرح، مثل المعرفة، يقوم على التعلم المستمر، وأن من يتصور أنه امتلك المعرفة النهائية فقد خرج بالفعل من دائرة الإبداع، مؤكدا أنه لا توجد محطة نزول في طريق التعلم، بل مسار مفتوح يتطلب وعيا دائما واستعدادا للاشتباك مع الجديد.
وحول السياسات الثقافية والمهرجانات أكد أنّه هناك تساؤل حقيقي يجب طرحه حول ما إذا كانت السياسات الثقافية الحالية، خصوصا فيما يتعلق بالمهرجانات، قد أسهمت بالفعل في تطوير المسرح أم تحولت إلى غاية في حد ذاتها، معزولة عن واقع المجتمع واحتياجاته.
وأوضح أنه لو كان في موقع المسؤولية الثقافية، لأعاد النظر جذريا في سياسة المهرجانات، وربما أوقفها لعدة سنوات، ليس رفضا لفكرة المهرجان في حد ذاتها، بل إيمانا بأن التنمية المسرحية الحقيقية لا تتحقق بالعروض الموسمية، في ظل خشبات مسرح متهالكة، وبنية تقنية متأخرة، تجعلنا، بعيدين عشرات السنين عن الحد الأدنى من التطور التقني.
وأشار إلى أن المشكلة لا تتعلق بالمهرجانات والاحتفاء بها، بل بغياب الارتباط الحقيقي بينها وبين المجتمع، مؤكدا أن المسرح لا يمكن أن ينعزل عن قضايا الناس، خاصة في اللحظات التاريخية الحرجة التي تمر بها المجتمعات.
وطرح مهران سؤالا اعتبره مركزيا: هل لدينا جمهور حقيقي للمسرح وهل لدينا جمهور يقبل الاختلاف؟ وهل نمتلك أدوات قياس واضحة لهذا الجمهور، أم أننا نفترض وجوده؟ مؤكدا أن غياب هذا السؤال يؤدي إلى حالة من التعميم الزائف.
وشدد مهران على أن ثقافة الاختلاف تظل شرطا أساسيا لأي حراك مسرحي صحي، داعيا إلى التسامح مع المختلف، وإلى فتح نقاشات نقدية حقيقية حول العروض، لا بهدف الرفض أو الإدانة، بل بوصف النقاش دليلا على حيوية العمل الفني.
وأوضح أنه يتمنى أن تُعرض أعمال مسرحية تُناقش بعمق، أمام عقل نقدي يفرز ويحلل ويتفاعل، لأن الرفض أو الاختلاف في حد ذاته دليل على وجود كائن حي يفكر ويتفاعل، وليس مجرد متلق سلبي.
وأكد مهران أن غياب الفرز النقدي، والاكتفاء بتكديس المضامين من دون وعي، قد يؤدي إلى تضليل ثقافي، ويفتح الباب، من حيث لا ندري، أمام أشكال جديدة من الهيمنة والاستلاب.
وفيما يلي نص كلمة اليوم العربي للمسرح التي كتبها ويلقيها سامح مهران في افتتاح الدورة 16 من مهرجان المسرح العربي:
السيدات والسادة ضيوف المهرجان العربي أهلاً وسهلاً بكم في مهرجان المسرح العربي في دورته السادسة عشر
إن المسرح دائمًا هو ابنٌ لعصره، ومن ثم فعلاقته بالسلطة والمعرفة والسياقات الاجتماعية لا شك فيها. فالعملية المسرحية من جانب مهم منها، عبارة عن تفكيك للخطابات والمعاني السائدة، وكشف لبنى السلطة المنتجة لما نعتبره معرفة.
كذلك يشبه المسرح بالفلسفة، بما أنه فعل نقدي يقاوم المسلمات، ويزعزع البديهيات. فعندما تتمكن الذوات من معرفة نفسها، تستطيع ممارسة حريتها حتى ضمن أي شرط قسري.
نحن نعيش في ظروف بالغة التعقيد في عالمنا المعاصر، فقد تم إنتزاع الإنسان من محيطه الاجتماعي، وأصبح مستوحدًا أمام تقنيات الاتصال الحديثة، وما تفرضه من عوالم إفتراضيه تؤكد هذا الاستلاب الجماعي، وتفرض أسوارًا عازلة تمنعه من التفاعل الإيجابي من أجل التغيير. كذلك هناك ثورة بيوتكنولوجية في علم الوراثة، والهندسة الجينية، والأدوية العصبية، قد تفضي إلى تجاوز للطبيعة الإنسانية نفسها، وهو ما يهدد المساواة الإنسانية، فالمخاطر لا تكمن في الدمار، بل في التحول التدريجي للإنسان إلى شي آخر فوق بشريPost Human. مما له آثار جسيمة في تغيير الطبيعة الإنسانية أخلاقيًا واجتماعيًا وسياسيًا. فمثل هذا التحول سيؤدي إلى مجتمعات طبقية بيولوجيًا. فهناك أدوية مثل “بروزاك وريتالين” تغير من المزاج أو الأداء العقلي، وهو ما يطرح تساؤلات حول حرية الانسان عندما يخضع لأدوية تعيد تشكيل وعيه. كذلك تعمل التقنيات الحديثة على التحكم العقلي والسلوكي بواسطة الزرعات العصبية، والواجهات الدماغية الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي المتكامل مع الجهاز العصبي، ليس فقط على تحسين الوظائف الجسدية، بل لضبط الفكر والإرادة. فالإنسان قد يتحول ليصبح كائنًا إلكترونيًا، خاضعًا ومدارًا عن بعد من قبل شبكات رقمية مركزية، يفقد فيها وبها حريته الداخلية.
إن التقدم العلمي والتكنولوجي أدى إلى زيادة مركزية السلطة بما يهدد حرية الفرد واستقلاليته، فالأفراط في التنظيم والسيطرة يحمل مخاطر تؤدي إلى مجتمعات تفتقر إلى الإبداع والمرونة. وأيضًا أدت وفرة المعلومات وسرعة تداولها إلى تشتيت الانتباه، وتراجع التفكير النقدي، وسيطرة العواطف، والمحتويات السطحية، علاوةً على انتشار المعتقدات الخاطئة. لقد تسبب الفضاء الرقمي في أزمة إدراكية Cognitive apocalyps تهدد القدرات الجماعية على التمييز بين الحق والباطل، فمثل هذه الفوضى العقلية، على المسرح أن يتناولها بالتحليل الدقيق، فما يتوجب الالتفات إليه جيدًا، هو أن أي تقدم علمي يجب أن يضبط معايير أخلاقية، وليس بواسطة آليات السوق أو العلم المجرد وحده. نحن أيضًا في منطقة صراع ينبغي حله، صراع بين ساحات العقل الحداثية، والموروث الذي يسكن الوجدان. فهل نحن جسور لهذا الإرث، أم مبدعون في ضوء معطيات العصر؟
لقد تمت أدلجة الموروث، فغدا لتأطير السياسي والثقافي، يسيطر بها على الفكر والأدب والفن. لذا لا يجب علينا أن نعيد صراعات الماضي، بينما نحن قادرون على تنويع الهويات والجمع بينها. لقد أصبح التعدد بمثابة خيار وجودي، يتيح لنا الإبقاء على ذواتنا، ومواكبة العصر في نفس الوقت. ولذلك لابد من إعادة التفكير في علاقتنا بالعالم وبموروثاتنا دون أن نفقد ألق الانتماء إلى أيهما، بل نمنح الهوية فرصة لأن تكون مرنة وحرة وقادرة على الحوار والتفاوض. إن المسرح ساحة مليئة بالتوترات التي ينبغي التعامل معها بصدق وأمانة، توتر بين الذاكرة النموذجية، التي تستخدم لفهم الشر ومنعه، والذاكرة الحرفية التي يتم استغلالها لأغراض أيدولوجية، أو للانتقام. وتوتر بين الوجود المسبق والوجود المكتسب من التجربة في الواقع المعيش، وتوتر بين الذات السردية التي لا يلحق بها التغيير، الذات الأسلوبية التي دائمًا تعيد تقديم نفسها إلى العالم عبر آليات الاختيار والانتخاب والتفكير النقدي. وتوتر بين شعريات الامتثال التي تقدم عالمًا مبنيًا، يفرض على الجمهور كيفية التفكير والسلوك، وشعريات الإزعاج القائمة على اللعب والارتجال والزمن الممتد (حيث لا بداية ولا نهاية) والابتكار والتفكيك والتفاعل مع المتفرجين، ذلك التفاعل الذي يجعل من الحدث المسرحي، حدثًا ديناميًا متغيرًا. وتوترًا بين الخصوصيات المحلية، وما تفرضه العولمة من قيم التماثل، فقد أعادت العولمة تشكيل مفاهيم الثقافة، مهددة الهويات المحلية عبر اقتصاد السوق، كما أعادت تعريف المواطنين كمستهلكين دائمين للقروض، وملتزمين بتسديد الديون، وخاضعين لمراقبة مالية وسلوكية. وأخيرًا توتر بين العدالة والقانون، إذ لا يعتمد القانون على منطق أو عدالة، بل على سلطة مؤسسية غير قابلة للتبرير العقلي الكامل، وهو ما يجعل من العدالة مطلبًا أخلاقيًا غير منجز.
إن القوة الأخلاقية للمسرح تكمن بالأساس في العلاقة التي تنشأ بين ما يفعله العمل المسرحي بنا، وما نفعله به. فالتساؤل المستمر عن أنماط حياتنا وطرق تفكيرنا، لا يستهدف فقط ازدهار الفرد، بل يستهدف الاهتمام بالآخرين، بالمدينة، وقضايا المناخ والتلوث البيئي، الأمر الذي يؤدي إلى تحسين الذات والحياة معًا. فما نصبح عليه يؤثر في علاقتنا مع الآخرين ومجتمعاتنا، وبيئتنا، وأنماط حياتنا المشتركة، فمن الأنا يتشكل مجتمع النحن، القابل دائمًا لإعادة التعريف.
الشكر العميق للهيئة العربية للمسرح، ومجلس أمنائها الموقر على اختياري لإلقاء كلمة المسرح العربي في الدورة السادسة عشر لمهرجانها.
الكلمات المفاتيح: مسرح – اليوم العربي للمسرح – سامح مهران – مهرجان المسرح العربي
تتويج فيلم “ليلي” لزبير الجلاصي على الجائزة الكبرى لفئة الأفلام المُولَّدة بالذّكاء الاصطناعي
حصد المخرج التّونسي زبير الجلاصي الجائزة الكبرى لفئة الأفلام المُولَّدة بالذّكاء الاصطناعي…







