“جو تونس”.. حين تتحوّل المدينة العتيقة إلى محيط من الصور والأصوات والحكايات
في قلب المدينة العتيقة، حيث تتعانق طبقات التاريخ وتفوح روائح الحضارات التي مرّت من هنا، استحضر الفن ذاكرة المكان وفتح نوافذ جديدة على أسئلة العالم. فمع انطلاق الدورة الثامنة من تظاهرة «جو تونس»، تحوّلت قشلة العطّارين وعدد من المعالم التاريخية، يوم السبت، إلى فضاءات تلتقي فيها الصور والأصوات والحكايات، معلنةً عن أول محطة لبينالي الصورة المتحركة بجنيف خارج سويسرا، من خلال معرض «أن نصبح محيطًا».
وبين تركيبات الفيديو والأداءات الصوتية والعروض الحيّة، تجاوزت الفنون المعاصرة حدود استلهام روح المكان لتدخل في حوار مع ذاكرته، مستحضرةً أسئلة الحدود والمنفى والهوية والانتماء. وهكذا، منحت «جو تونس» المدينة العتيقة حياة متجددة، تتجاور فيها أصداء الماضي مع أسئلة الحاضر وتطلّعات المستقبل.
أمام حضور ضمّ فنانين وقيّمين على المعارض وعشاقًا للفنون، إلى جانب زوار استقطبتهم أجواء التظاهرة، استعاد كمال الأزعر، رئيس المؤسسة التي تحمل اسمه، الصلة المتجذّرة بين «جو تونس» ومدينته. فالحوار بين التراث العريق للمدينة العتيقة وأشكال الإبداع المعاصر لا يقتصر على اختيار جمالي، بل يعكس إيمانًا بقدرة الفن على ترميم الذاكرة المنسية وإعادة الحياة إليها.

من جهته، احتفى أندريا بيليني، مدير مركز الفن المعاصر بجنيف وأحد القيّمين المشاركين على التظاهرة، بهذه التجربة المشتركة، مسلّطًا الضوء على القوة السردية لمعرض «أن نصبح محيطًا».
“أن نصبح محيطًا”.. الفن يعيد اكتشاف ذاكرة المكان
تحوّلت قشلة العطّارين إلى فضاء فني غامر، بدا الزمن فيه وكأنه يتباطأ بين القاعات المقبّبة التي استعادت شيئًا من مجدها. وفي هذا المعلم التاريخي، قدّم فنانون من خلفيات متعددة ستة عشر عملًا معاصرًا، توزّعت بين تركيبات الفيديو وتدفّقات الصور المتلاحقة، فاتحةً المجال أمام تساؤلات حول الحدود والانتماءات وأنماط العيش في العالم.


لم يكن التراث مجرّد خلفية تضفي على الأعمال الفنية سحر المكان، بل شكّل عنصرًا أصيلًا في التجربة، وذاكرة حيّة تتفاعل مع الأعمال المعاصرة وتدخل معها في حوار متواصل.
ومن هذا التلاقي بين الفضاء التاريخي وأعمال فنية قادمة من جهات مختلفة من العالم، وُلد معرض «أن نصبح محيطًا»، الذي يمنح الدورة الثامنة من «جو تونس» بُعدًا جديدًا. وللمرة الأولى، يُقام بينالي الصورة المتحركة بجنيف خارج سويسرا، في تجربة ثمرة تعاون بين مركز الفن المعاصر بجنيف ومؤسسة كمال الأزعر.
16 فنانًا يرسمون ملامح عالم متشظٍّ
قدّم الفنانون الستة عشر، وهم تبارك الله عباس، ويونس بن سليمان، ومونا بنيامين، وإس. إيه. تشافاريا، ولينا حبيب الله، ورومان سليم خريديـن، وزين مجالي، وآلاء منصور، وباولو نازارث، وديان سيفيرين نغوين، وليف شولمان، وهيلديغارد تيتوس، وناتاشا تونتي، وكاستييل فيتورينو برازيلييرو، إلى جانب الثنائي هجرة وحيد وسارة زرياب، أعمالًا جديدة تقترح مقاربات متعددة لفهم الروابط التي تجمع البشر، واستكشاف خطوط التصدّع التي تشقّ المجتمعات.
وفي قلب المدينة العتيقة، رسمت تركيبات الفيديو خرائط بصرية حيّة لقضايا راهنة، مستحضرةً أسئلة الهوية والانتماء والذاكرة والعلاقات الإنسانية، في عالم تتشابك فيه المصائر بقدر ما تتعمّق فيه الانقسامات.
وفي قشلة العطّارين أيضًا، قدّمت الفنانة والمؤلفة الموسيقية المنحدرة من شعب أيمارا، تشوكواماني كوندوري، المعروفة كذلك باسم إليسيا كرامبتون، عرضها الصوتي «غروب الشمس». ويحضر غروب الشمس، الذي يستدعيه عنوان العمل، بوصفه عنصرًا متكررًا في تجربتها الفنية، تعود إليه وتعيد استكشافه من خلال إبداعاتها وتعاوناتها الفنية على الركح.
حين يغادر الفن قاعات العرض إلى أزقّة المدينة
لم تتوقف فعاليات «جو تونس» عند أسوار قشلة العطّارين. فمع امتداد النهار نحو المساء، توزّعت عروض اليوم الافتتاحي على فضاءين آخرين من معالم المدينة العتيقة، ليصبح التنقّل بين المواقع جزءًا من التجربة الفنية نفسها، ومناسبة لاستعادة الحركة في أزقّة المكان.
تنقّل المشاركون بين الفضاءات المختلفة، متداخلين مع حركة المارّة اليومية، فيما وجد التجار والحرفيون أنفسهم، في بعض الأحيان، في موقع المرشدين الذين يدلّون الزوار على الطريق. وعلى امتداد الأزقّة، تحوّلت الإرشادات إلى أحاديث عفوية ولقاءات فضولية، لتصبح الحياة اليومية للسكان والتجار جزءًا من المشهد العام للتظاهرة.
بهذا المعنى، خرج الفن من فضاءات العرض التقليدية ليتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية في المدينة العتيقة، وينشئ صلة مباشرة بين الإبداع والناس، متجاوزًا الحواجز التي قد تفصل العمل الفني عن محيطه الاجتماعي.
وفي المركز الثقافي بئر الأحجار، اكتسبت الأجواء طابعًا أكثر حميمية. فبين أعمدة الفناء الداخلي، اعتلى فنانون شباب المنصة، جامعِين بين الشعر وحكايات المنفى وشذرات من الأرشيف الحي. وكان الإصغاء أشبه بطقس من الخشوع، فيما اتجهت الأنظار إلى كلمات جيل يعيد صياغة أساطيره الخاصة ويبحث عن لغته للتعبير عن العالم.
وتعاقبت العروض بين «Sous les rires» لريتا الحاج، وقراءة «COW HOW? CAU HOI?» لتران تران، والأداء السمعي البصري «Impronte (Empreintes) : tout était dans mon corps» لأورفيو أورورا ليلي. وفي هذا اللقاء، تداخلت الذاكرة بالتعبير الشخصي، وتجاورت أصوات الشباب مع تجارب المنفى وأسئلته.
وعلى بُعد أزقّة قليلة، احتضنت كنيسة سانت كروا مشهدًا فنيًا مغايرًا. فبين أقبية صُمّمت لمنح الصوت أبعاده، تحوّل المعلم إلى فضاء نابض بهندسات صوتية وبصرية أعادت تشكيل تجربة المكان.
هناك، قدّم زين مجالي عرضه الصوتي «هل ستظل تحبني لو كنتُ سربًا؟»، في تأمل فني في الثقافة التي تغذّي المجتمع الأردني، رغم محدودية الفضاءات العامة فيه. ففي هذا السياق، تتحوّل السيارة وما يتدفّق عبر منصات التواصل الاجتماعي من منشورات إلى واجهتين أساسيتين لتبادل المعلومات، أشبه بطريقين سريعين للمعلومة، لكنهما يظلان خاضعين للمراقبة المستمرة.
ومن خلال المزج بين أفلام المحاكاة والصور المُولّدة والمقاطع الأرشيفية، تشكّل العمل أمام الجمهور عبر عملية تركيب حيّ استندت إلى مقتطفات من «تيك توك» وإبداعات موسيقية أصلية. وهكذا، تداخلت الصورة بالصوت لتقديم قراءة فنية لطرائق إنتاج الثقافة وتداولها تحت أعين الرقابة.
من ذاكرة الجدّة إلى مقاومة الاقتلاع
امتدّت الأمسية لاحقًا إلى قاعة الفن الرابع، خارج المدينة العتيقة، حيث احتضنت عند الساعة الثامنة والنصف مساءً عرض «C!S-TEM ERROR. The H in My Name Is Not Silent» للمصمّم والراقص اللبناني نديم بحسون.
في هذا العمل الغامر، الذي يمزج الرقص بالغناء والسرد، دعا الفنان الجمهور إلى تجربة حسية تستند إلى حكايات جدّته أمينة. ومن خلال الذاكرة العائلية، فتح العرض المجال أمام أسئلة الأمان والعنف والاقتلاع والأرض، مستحضرًا في الوقت ذاته إرثًا من الصمود العائلي ومقاومة القوى الاستعمارية.
وهكذا، تداخل الخاص بالعام، وتحولت حكاية الجدّة إلى نافذة على تاريخ أوسع من الجراح والاقتلاع، وعلى قدرة الذاكرة العائلية على حفظ أشكال المقاومة ونقلها من جيل إلى آخر.
بين وقار الكلمات التي رافقت الافتتاح وعفوية الأداءات التي امتدت إلى ساعات الليل، رسم اليوم الأول ملامح دورة تحتفي بالفنون المعاصرة وتفتح أمامها مساحات جديدة للحوار والتفاعل.
فـ«جو تونس» ليست مجرّد تظاهرة فنية تتجاوز الحدود الجغرافية أو الثقافية، بل هي محاولة لاكتشاف إمكانات أخرى للانتماء والتواصل، حيث لا تعود الهويات جزرًا معزولة، بل تيارات تتلاقى وتتداخل وتتبادل التأثير. وفي هذا الفضاء المتعدد، يصبح الفن محيطًا مفتوحًا يتّسع للاختلاف، ويمنح الصور والأصوات والحكايات فرصة للالتقاء وصياغة معانٍ جديدة للعالم.


الكلمات المفاتيح: جو تونس – أخبار ثقافية – تظاهرات ثقافية – عروض – فنون
مهرجان خليفة السطنبولي للمسرح: ذاكرة تستعيد الأثر وتجديد يفتح آفاق الركح
انطلقت في المركب الثقافي بالمنستير يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026 فعاليات الدورة من مهرجان خليف…







